هل انتهى زمن أصدقاء العمر؟
مهما بلغت أعمارنا، يبقى في القلب أصدقاء تزورنا ذكراهم، فنبتسم لضحكة قديمة، أو حديث عفوي، أو وقت جميل قضيناه معاً. تمضي السنين، ويظل أثرهم فينا، فهم جزء منا ومن حكايتنا التي لن تنسى. إلى كل صديق صادق، نحبك ونذكرك بكل خير، مهما طال الغياب.
لي صديق عزيز على قلبي، قال لي مرة، بشكل مازح، عن الصداقة: «صديقك الذي تتصل عليه الآن أو بعد ٢٥ سنة، إذا كان بينكم ود متبادل، فلن يتغير تعامله معك، بل سيأخذك بالأحضان لأنك تذكرته!». سألته: «وإذا لم يأخذني بالأحضان، وش معناها؟». قال لي ضاحكاً: «شوف لك غيره!».
كنا نتجاذب أطراف الحديث بشكل هزلي، لكن كلامه ترك أثراً عميقاً فيني. بدأت أُفكر في كل صداقة وكل شخص تعرفت عليه وكان بيننا ود ومحبة. ربما سرقتنا السنين وانشغل كل منا بحياته والسعي في رزقه، وأصبحنا في مدن مختلفة أو بلدان بعيدة، لكن ما تزال تجمعنا ذكريات السنين، ومواقف صنعت جزءاً من شخصياتنا اليوم.
الصداقة بالنسبة لي، علاقة تبدأ بالصدق في الحديث والأفعال. ومع تكرار الأحاديث والمواقف الصادقة، تكبر هذه العلاقة وتتحول إلى صداقة تحمل في طياتها ذكريات وتجارب تشكل ملامحها. لي أصدقاء كثيرون، وأنا مقل في التواصل بحكم مشاغل الحياة، لكني أشعر دائماً أن اتصالي بهم سيعيد الحنين، ويفتح القلوب لوصال كان ولا يزال يحمل في تفاصيله جمالاً يصعب أن تصفه الكلمات.
الكثير منا يشعر بالخوف أو القلق عند التفكير في إعادة الوصال. وربما يكون في داخل كل منا إحساس يخبره عن تلك العلاقة، هل كانت صداقة عميقة، أم علاقة عابرة جمعتنا بها الظروف؟ لكني أقول دائماً إنه لا ضرر من المحاولة والتواصل، فلن يُهدم الكون بسبب نسيان أو رفض. والناس غالباً كرماء في الرد والمجاملة، وستشعر أثناء الحديث إن كان الود ما زال حاضراً، أو أن العلاقة أصبحت من ذكريات الماضي.
أؤمن بقوة السؤال، وبما قد يفتحه من أبواب للوصال والمنفعة. من حق كل منا أن يسأل، وأن يَتطمن على من كانَ لهم مكانه جميلة في حياته. وقد يخبرنا الرد على السؤال بأشياء كثيرة عن العلاقة، مع العلم أن اتصال واحد قد لا يكشف التفاصيل، وكل إنسان له ظروف لا نعرفها. حتى لو وجدت رداً غير متوقع، يكفيك من كرم أخلاقك أنك حاولت إحياء بعض الذكريات. لهذا أقول إنك غالباً ستجد كرماً في الرد، فهذه من الشيم التي تربينا عليها.
لا أقول هذا غروراً أو ادعاءً للفضيلة، لكني في كل اتصال أستقبله من صديق قديم، أو اتصال أقوم به، أجد وأستشعر آثار الصداقة والذكريات حتى لو مرت سنوات. قابلت في الفترة الأخيرة الكثير من الأصدقاء الأعزاء، غبنا سنين لكن لم تغب الصداقة. ما زال الود بيننا، وما زالت المواقف التي عشناها حاضرة في أحاديثنا كأنها حدثت بالأمس.
تبقى هذه الصداقات في القلب، ويصعب أن يأخذها النسيان، لأن أصحابها صنعوا معنا تجارب لا تنسى في الحياة، وأصبح لهم مكان في حكاياتنا وذكرياتنا.
وأفكر أحياناً في أثر الصداقة، في الزمن القريب والبعيد، وكيف يمكن لحديث بين صديقين أن يغيّر فكرة، وللفكرة أن تغيّر حياة، ثم يمتد أثرها إلى آخرين. أرى أن الصداقات أساس في صناعة البشر، فمن خلالها نتعرف على أنفسنا، ونراجع قناعاتنا، وتتغير نظرتنا إلى العالم. لكني أشعر أن عصر الصناعة والعمل سرق منا معاني جميلة، وأصبح الوقت الذي نعطيه لعلاقاتنا هو ما يتبقى بعد الانتهاء من كل شيء. ومع كثرة المعارف وسرعة اللقاءات، أصبحت معرفة من هو الصديق أصعب، فالصداقة تحتاج وقتاً ومواقف حتى نعرف حقيقتها، وهذا ما أصبحنا نبخل به دون أن نشعر.
ولهذا أجد أن صداقات مقاعد الدراسة من أثمن الصداقات، بحكم وفرة الوقت والطاقة. كان لدينا متسع للحديث، وللضحك، وحتى للخلاف والصلح، ثم اللقاء من جديد في اليوم التالي. عشنا تفاصيل بعضنا قبل أن تتوزع حياتنا بين العمل والمسؤوليات، وكبرنا معاً ونحن نحاول أن نفهم أنفسنا والحياة. ربما لهذا يحمل أصدقاء الدراسة مكانة مختلفة، فهم يعرفون شيئاً منا لا يعرفه من قابلنا لاحقاً، ويتذكرون أحلامنا الأولى ومحاولاتنا وأياماً كنا فيها أقرب إلى عفويتنا. وحين نلتقي بهم، نستعيد معهم شيئاً من أنفسنا أيضاً.
وأؤمن أن الصداقة لن تموت، حتى بوفاة من نحب. فهي مستمرة في الذكرى الطيبة وفي تذكر محاسن تلك الصداقة وما أضافته لمسيرتنا. قد يرحل الصديق وتبقى أحاديثه ومواقفه حاضرة فينا، نذكره في دعوة ونحكي عنه بمحبة، ونبتسم كلما تذكرنا موقفاً جمعنا به. هؤلاء الأصدقاء أسهموا في تشكيل أجزاء من شخصياتنا، وما تعلمناه منهم نحمله معنا في الحياة، وربما ننقله إلى غيرنا دون أن نشعر. ولعل هذا من أعمق معاني الصداقة، أن يبقى شيء ممن نحب فينا، ويستمر أثره حتى بعد رحيله.
راودني الحنين عند رؤية بعض الصور التي أحتفظ بها، وأحببت أن أشارككم شيئاً منها. وأخيراً، سؤال للتفكير: هل تتردد في الاتصال بأصدقائك القدامى أو محاولة الوصول إليهم؟ وما سبب هذا التردد؟













💌 قصاصات الخميس
نشرة بريدية قصيرة لأفكار أو حكايات تستحق التأمل. سيكون الموعد ليلة الخميس من كل أسبوع، أتمنى أن أكون ضيف خفيف ولطيف على بريدك الإلكتروني.