حكايات جيل تعلّم بالقليل… فماذا تعلّمنا بالكثير؟

حكايات من السعودية قبل الإنترنت، يرويها أصدقاء عن الكتب التي انتظروها، والمكتبات التي أطالوا الجلوس فيها، وما دفعوه من وقت ومال ليتعلّموا. نعود معهم إلى تفاصيل ذلك الزمن ومفارقاته، لنجد أن الحكاية تمسّنا أكثر مما نتوقع، وأن وفرة الإجابات اليوم تخفي وراءها تحدياً يستحق أن نتوقف عنده.

أحمد الشمراني
أحمد الشمراني

عند مجالستي لبعض كبار الشباب، ممن تتراوح أعمارهم بين الستين والسبعين، والحديث معهم عن حياتهم قبل الإنترنت، أستشعر حجم الجهد الذي كانوا يبذلونه للحصول على المعلومة. كيف كان الإنسان الشغوف بالعلم والثقافة يجد ما يبحث عنه في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات؟ وإلى أين يذهب حين يخطر في باله سؤال لا يعرف أحد حوله إجابته؟

كانت مصادر المعرفة موزعة بين المدارس والجامعات والمكتبات، وما يصل إلى الناس من صحف ومجلات وبرامج. وحين يرغب أحدهم في تعلّم مهارة متخصصة في الإدارة أو الهندسة، فقد يحتاج إلى السفر، أو البحث عن كتاب لا يجده بسهولة، أو انتظار شخص يعود من الخارج ويحمله معه. وحتى الورقة التي تحتوي على معلومة مهمة، كان يحتفظ بها في أرشيفه الخاص، على أمل أن يعود إليها حين يحتاجها.

لهذا سألت بعض أصدقاء المدونة وقرائها عن رحلتهم مع المعلومة في ذلك الزمن. وهم كما ذكرت من كبار الشباب الذين جمعتهم الحياة بالعمل والسفر والتجارب المتنوعة. وكان الحديث معهم ذا شجون للأمانة، وأعطاني فرصة لرؤية تلك السنوات بعيون من عاشوها.

وما أشارككم هنا هو قراءات وحكايات من حقبة عاصروها في المملكة العربية السعودية، تحمل نظرتهم إلى ذلك الزمن، وما بقي في ذاكرتهم من رحلة البحث عن المعرفة.


عبدالعزيز الشلالي: لكل زمن أدواته

بدأت بصديقي عبدالعزيز الشلالي، وهو من الأشخاص الذين أعتز بمعرفتهم. سألته عن صعوبة الحصول على المعلومة في الثمانينيات والتسعينيات، قبل دخول الإنترنت إلى البيوت، فأثراني بملاحظات أعطتني صورة أوسع عن المجتمع السعودي في تلك الفترة.

لفت انتباهي أولاً إلى أن الإجابة تعتمد على نوع المعلومة التي تبحث عنها. هل هي ثقافية، أم دينية، أم علمية.

في الثقافة ومتابعة السياسة وأخبار العالم، كانت الجرائد تؤدي دور مهم، إلى جانب التلفزيون. وكانت الأعمدة والمقالات تفتح للقارئ أبواب على أفكار وتجارب مختلفة، وحتى الكاريكاتير كان يوصل معلومة أو يعلّق على حدث بطريقة ساخرة.

أما المعلومات الدينية، فكانت تصل عبر المحاضرات، والنشرات، والمطويات، والأشرطة التي تنتشر في المساجد والجامعات. ويذكر عبدالعزيز أن تلك المواد كانت تتضمن قصص وروايات متفاوتة في صحتها، وأن التثبت منها لم يكن سهلاً دائماً. بعض ما كانوا يتناقلونه بثقة في ذلك الوقت، اكتشفوا لاحقاً أنه غير صحيح.

وفي المعلومات العلمية، كانت مكتبة الجامعة وأساتذتها من أهم المراجع. ويقارن بين اتساع هذه الفرص في الجامعة ومحدوديتها في المرحلة الثانوية، حيث كان الطالب يعتمد أكثر على معلمه، أو يلجأ إلى دروس تقوية في مجموعات صغيرة، يجد فيها وقتاً إضافياً للسؤال والفهم.

ومن وجهة نظره، كان التحدي يتجاوز العثور على المعلومة إلى التأكد من صحتها. واليوم أصبح الرجوع إلى المصادر ومقارنة الروايات ومتابعة التصحيحات أسهل، وإن كانت كثرة ما يُنشر تحتاج منا إلى التثبت أيضاً.

لكن أكثر ما توقفت عنده في حديثه كان نظرته إلى المعاناة نفسها. يرى عبدالعزيز أنهم لم يكونوا يشعرون بها بالطريقة التي نتصورها اليوم. كانت تلك هي الوسائل المتاحة، وقد تأقلم الناس معها، ولم يكن أمامهم شيء آخر يقارنونها به.

قد يقضي أحدهم وقتاً طويلاً بحثاً عن إجابة، أو يسافر من بلد إلى آخر للحصول على كتاب، ويعدّ ذلك جزءاً طبيعياً من رحلته في التعلّم. نحن ننظر إلى تجربته الآن، ونقول: كيف كان يتحمل كل هذا؟ لكنه كان يعيش عصره بأدواته وظروفه.

💡
ويعتقد عبدالعزيز أن الأمر قد يتكرر معنا. نحن اليوم نتحدث بدهشة عن الإنترنت والذكاء الصناعي و "شات جي بي تي"، وربما يأتي أبناؤنا بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، وينظرون إلى أدواتنا باستغراب، ويسألوننا: كيف كنتم تعيشون بهذه الطريقة؟

أعجبتني هذه الزاوية. ربما نحتاج إلى شيء من التواضع ونحن نصف ما وصلنا إليه بأنه قمة السهولة والتطور. قد يكون ما ننبهر به اليوم حكاية يبتسم لها جيل قادم.


عبدالرحمن الغامدي: جدول الإجازات الذي يجلب الكتب

أما العزيز عبدالرحمن الغامدي، المثقف الذي أراه سابقاً لزمانه بفضوله وشغفه بالمعرفة، فكان أول رد له على سؤالي، وهو يضحك: "فتحت جروح قديمة".

أعادني إلى السبعينيات، وإلى برنامج كان يُعرض على التلفزيون السعودي بعنوان «من كل بحر قطرة». يتذكر كيف فتح عينيه على ثقافات وحضارات وموسيقى لم يكن يعرفها، وأثار اهتمامه بالثقافة الأمريكية. كان ذلك قبل دخوله مجال العمل، وكان البرنامج من الشرارات الأولى التي دفعته إلى البحث والاستطلاع والقراءة.

ومع بداية عمله في أرامكو السعودية في الثمانينيات، بدأت مرحلة أخرى. كان يدرس اللغة الإنجليزية ويطوّر فهمه لها، ثم اكتشف مكتبة أرامكو التي لم يكن يعرف بوجودها خلال سنته الأولى.

يصف المكتبة وكأنه ما زال يتجول بين رفوفها. كانت تضم جرائد ومجلات وكتب ومواد فيديو، إلى جانب «الميكروفيش»، وهي شرائح تحمل صور مصغّرة للوثائق والصفحات. وكانت، بحسب ما يتذكر، تفتح من الصباح حتى العاشرة والنصف ليلاً، وكان يقضي فيها الوقت إلى أن تغلق أبوابها.

وكان يستطيع استعارة الكتب لمدة أسبوع، ثم يعيدها، ويذكر ضاحكاً أن التأخر في إرجاعها قد يعني خصم من الراتب. هناك بدأت علاقته الفعلية بالقراءة بالعربية والإنجليزية، وأصبحت المكتبة جزءاً مهماً من يومه.

لكن شغفه لم يتوقف عند ما يجده فيها. كان يستمتع بالعمل مع زملائه الأمريكان، وفي بداية كل سنة يحرص على معرفة مواعيد إجازاتهم وسفرهم بالتفصيل، حتى يوصيهم بشراء ما يبحث عنه.

كان يقرأ في المجلات عن كتب ومواد ثقافية وتعليمية يرغب في اقتنائها، فيطلب منهم شراءها من أمريكا ويدفع لهم تكلفتها، ثم ينتظر عودتهم. كان يرى في مساعدتهم خدمة عظيمة، أتاحت له تنويع معرفته والوصول إلى أشياء يصعب أن يجدها حوله.

أعجبتني هذه الحيلة. حتى جدول إجازات الزملاء أصبح وسيلة للحصول على المعرفة!

ومن الفرص التي كان يستغلها أيضاً مبيعات الأغراض المستعملة، أو ما يُعرف بـ«Garage Sales». يتذكر أنها كانت تُقام أيام الثلاثاء، وأن بعض الموظفين الأمريكان كانوا يعرضون مقتنياتهم للبيع عند استعدادهم لمغادرة أرامكو. وكان يجد فيها فرصة لشراء كتبهم المستعملة قبل سفرهم.

ومع بدايات استخدامه للإنترنت، انفتح أمامه باب آخر. ففي منتصف التسعينيات، مع انطلاقة أمازون، بدأ يطلب الكتب من الموقع. ومن حكاياته اللافتة أنه كان يتراسل مباشرة مع مؤسسها جيف بيزوس لطلب كتب معينة، حين كان بيزوس يدير أمازون بنفسه مع فريق صغير. وكانت الكتب تصل إلى عنوانه في أرامكو.

كان الإنترنت يفتح له طرقاً جديدة، لكن الوصول إلى المحتوى الذي يريده ظل يحتاج إلى بحث ومتابعة، خاصة مع محدودية المصادر المتاحة آنذاك.

ولإذاعة الكويت مكان في حكايته أيضاً. يتذكر ثلاثة برامج كان يتابعها: «نجوم القمة»، و«أخبار جهينة»، و«نافذة على التاريخ». وبحسب ذاكرته، كانت تأتي متتابعة بين الرابعة والخامسة عصراً. ظل معجباً بأصوات مقدميها وطريقة عرضها، وما كانت تثيره فيه من رغبة في البحث ومعرفة المزيد.

وحين وصل حديثنا إلى اليوم، قال إن المعلومة أصبحت تصل إليه خلال ثوان، بكل ما يطلبه من تفاصيل. لكن ما يشغله الآن هو الوقت الذي يمنحه لعقله حتى يفهمها.

يصف عبدالرحمن تجربته مع الذكاء الصناعي بأن سرعة الحصول على الإجابة تمنحه شعوراً بأنه وجد المعلومة وتعرّف عليها. لكن التحدي بالنسبة له يبدأ من هنا: كيف وصلنا إلى هذه الإجابة؟ وما التفاصيل التي تقف خلفها ولا تظهر دائماً في صورتها المختصرة؟

ففي السابق، كانت رحلة البحث تدفعه إلى التوقف عند هذه التفاصيل، وقراءتها والكتابة عنها، حتى يتكوّن لديه فهم أعمق للمعلومة وكيف وصل إليها. واليوم قد تصله النتيجة خلال ثوان، بينما يظل فهم الطريق إليها بحاجة إلى وقت.

لذلك أصبح يتعمد التمهّل. يستخدم الذكاء الصناعي للوصول إلى المعلومة، ثم يقضي وقتاً في تتبّع تفاصيلها وفهم الخطوات التي أدّت إلى الإجابة. ويعود إلى القلم والكتابة، كما كان يفعل في الزمن الجميل، ليعيد صياغة ما فهمه بطريقته، ويساعد نفسه على استيعابه وتذكّره. يريد أن يمنح نفسه فرصة التعلّم التي كانت تأتيه أثناء البحث، حتى مع سهولة الوصول اليوم.

وما زال يحتفظ بكتاباته من الثمانينيات والتسعينيات، ويستمتع بالعودة إليها، لأنها تمثل معرفة تعلّمها واجتهد في الوصول إليها. تخيلت تلك الأوراق التي بقيت معه طوال هذه السنوات، وكيف تَحمل شيئاً من عمره وفضوله في ذلك الوقت.


مدحت عامر: راتب شهر مقابل دورة

وأثناء التفكير في هذه الحكايات، تذكرت حديثاً لمدحت عامر في إحدى مقابلاته، عن حضوره دورة مرتبطة بكتاب ستيفن كوفي «العادات السبع للناس الأكثر فعالية».

بحسب حديثه، سافر من الرياض إلى جدة لحضور الدورة، ودفع أربعة آلاف ريال، وهو ما كان يعادل راتبه الشهري وقتها، إضافة إلى تكاليف السفر.

والمفارقة أن ستيفن كوفي لم يكن حاضراً أمامهم. كانت المادة تُعرض عبر الأقمار الصناعية، ويذكر أنها كانت مسجلة أيضاً. كل هذا الجهد والمال من أجل فرصة للتعلّم.

الشاهد من حكايته أن كثيراً مما كان يتطلب سفر وتكلفة كبيرة أصبح اليوم أقرب إلينا. نستطيع حضور دورات وقراءة كتب والاستماع إلى خبرات أشخاص من أنحاء العالم، ونحن في بيوتنا. وما زالت بعض المهارات تحتاج إلى ممارسة وتوجيه، لكن فرص البداية والتعلّم أصبحت أوسع بكثير.

وهذا يجعلني أفكر في الأشياء التي أؤجل تعلّمها، مع أن وسائل الوصول إليها موجودة أمامي.


فماذا تعلّمنا بالكثير؟

دخلت هذه الأحاديث وأنا أفكر في صعوبة الحصول على المعلومة، وخرجت منها أفكر في علاقتنا بها بعد أن نجدها.

عبدالعزيز ذكّرني بأن لكل جيل أدواته، وأن ما نراه اليوم مشقة قد يكون في نظر من عاشه أمراً طبيعياً. وعبدالرحمن جعلني أتأمل الوقت الذي نعطيه للفهم، بعد أن اختصرنا وقت البحث. أما حكاية مدحت عامر، فأعادتني إلى قيمة الفرص المتاحة لنا، وإلى ما نفعله بها فعلاً.

أشعر بالامتنان لأن سؤالاً يخطر في بالي اليوم لا يحتاج مني إلى انتظار مسافر، أو الوصول إلى مكتبة قبل أن تغلق. وفي الوقت نفسه، أتساءل عن عدد الإجابات التي قرأتها بسرعة، وأعجبتني، ثم نسيتها قبل أن أستخدمها أو أتحدث عنها مع أحد.

ما يشدني في هذه الحكايات هو الاهتمام الذي كانوا يمنحونه لما يصل إليهم. كتاب يجدون الوقت لقراءته، وبرنامج يثير فيهم أسئلة جديدة، وورقة يحتفظون بها سنوات لأن فيها شيئاً يستحق العودة إليه.

وربما نحتاج إلى أن نحتفظ بشيء من صبر أولئك الشغوفين. أن نتوقف عند فكرة، ونسأل عنها أكثر، ونكتب ما فهمناه بلغتنا، ونجربه في حياتنا. فالوقت الذي وفّرته لنا الأدوات يمكن أن نعطي بعضه للتأمل والممارسة.

وأنا أستمع إلى عبدالرحمن يتحدث عن أوراقه القديمة، سألت نفسي: بعد عشرين سنة، ما الذي سأعود إليه من كل ما أقرأه وأحفظه اليوم؟ وما الذي سيبقى معي من هذا التدفق الذي لا ينتهي؟

وأنت، هل تتذكر معلومة أو كتاب تعبت حتى وصلت إليه، وما زلت تحتفظ بحكاية تلك الرحلة؟

علمتني الحياة 🧠

أحمد الشمراني Twitter

أشاركك أفكاري وتجاربي في الحياة والعمل. أكتب نشرة «قصاصات الخميس»، وأقدّم «خلاصة فكرة»، سلسلة معرفية مجانية لتبسيط الأفكار. لعلّك تجد هنا ما ينفعك ويلهمك.