النجاح الذي لم أعد أريده

يتغيّر معنى النجاح كلما عرفنا أنفسنا أكثر. نسعى إلى أحلام، ثم نكتشف أن بعضها لم يعد يشبهنا. وبين ما حققناه وما ننتظره، ننسى أحياناً أن ما نراه عادياً اليوم قد يكون حلم إنسان آخر، وأمنية سعينا إليها حتى تحققت. لهذا تستحق خطواتنا الصغيرة أن نفرح بها ونحمد الله على ما وصلنا إليه.

أحمد الشمراني
أحمد الشمراني

نرسم للنجاح صورة ونجتهد سنوات للوصول إليها، ثم نكتشف أن بعض ما تمنّيناه لم يعد يهمّنا كما كان. تتغيّر اهتماماتنا وتتسع خبرتنا ونفهم أنفسنا أكثر. فماذا نفعل حين نصل إلى مرحلة كنّا ننتظرها، ونجد أن الحياة التي نريدها أصبحت مختلفة؟

في المدرسة كنا نظن أن الجزء الأصعب من الحياة هو ما نعيشه وقتها. نذاكر ونستعد للاختبارات ونقول لأنفسنا إن الأمور ستصبح أسهل حين ندخل الجامعة. سنختار ما نحب وتخفّ الضغوط، ونقترب من الحياة التي نريدها.

لكن مع اقتراب التخرج من المرحلة الثانوية، تزداد الأسئلة. هل الجامعة هي الخيار الأفضل؟ أم المعهد؟ وهل نبدأ العمل مبكراً؟ نختار الجامعة على أمل أن تمنحنا فرصاً أفضل، ثم نجد أنفسنا أمام تخصصات متعددة ولكل تخصص شروط ومعدلات. يصبح النجاح في تلك المرحلة، درجة أعلى تسمح لنا بدراسة ما نريد.

ندخل التخصص وننهمك في المحاضرات والاختبارات والمشاريع. ومع الوقت، تبدأ صورة أخرى للنجاح في الظهور. وظيفة مستقرة وراتب آخر الشهر وحياة تخلو من انتظار النتائج والقلق على المعدل. نقول لأنفسنا إن العمل سيمنحنا فرصة للتركيز والتطور وإننا سنرتاح حين نتخرج.

ثم نبدأ العمل، ونكتشف أن أمامنا الكثير لنتعلمه. نطمح إلى وظيفة أعلى وراتب أفضل ونجتهد لنثبت أنفسنا. وربما نلتفت بعد ذلك إلى التجارة والاستثمار، ونفكر في عمل خاص يوسّع خياراتنا ومال يكفينا حتى التقاعد. وفي كل مرة نرسم للنجاح صورة جديدة ونعلّق عليها شيئاً من الراحة التي ننتظرها.

أتأمل هذا التسلسل، وأجد أننا أحياناً نربط النجاح بوعد أن تصبح الحياة أسهل بعد الخطوة التالية. لكن كل مرحلة تحمل أسئلتها ومسؤولياتها ومع كل تجربة يتغيّر فهمنا لما نحتاج إليه وما يستحق أن نسعى من أجله.

وهذا أمر طبيعي. قد يتغير شيء فينا أو في عائلتنا أو في الظروف المحيطة بنا. ما كان مهماً في العشرين قد تقل أهميته بعد سنوات، وقد تصبح أشياء لم نفكر فيها من قبل جزءاً أساسياً من الحياة التي نريدها. وربما نكتشف أن هدفاً تمنّيناه طويلاً سيأخذ من وقتنا واهتمامنا أكثر مما نرغب في منحه.

كنت أستغرب من أشخاص كان طموحهم منذ الجامعة امتلاك سيارة فارهة وبيت مستقل. كنت أرى أن اختزال النجاح في هذه الأشياء خطأ وأن الإنسان يفترض أن يسعى إلى ما هو أكبر. لكن نظرتي تغيّرت مع الوقت، خصوصاً حين رأيت من التزم بهذا الهدف سنوات حتى حققه.

أصبحت أقدّر وضوحه. كان يعرف ما يريد ويعمل من أجله ويعرف متى وصل إليه. أما أنا، فكنت أحكم على طموحه من خلال تصوّري الشخصي للنجاح. لم أكن أعرف ماذا يعني له ذلك البيت أو ما الذي تمثله له تلك السيارة. ربما كان في هدفه معنى لا أراه وربما كان تحقيقه كافياً ليشعر بالرضا.

هذه التجربة جعلتني أفكر في حقي في اختيار تعريفي للنجاح وفي حق الآخرين أيضاً. قد يبقى هدفك واضحاً لسنوات فتسعى إليه حتى تحققه. وقد تتعلم عن نفسك ما يدفعك إلى مراجعته. المهم أن تفهم لماذا تتمسك به أو لماذا لم تعد تريده.

ومراجعة الطموح تحتاج صدقاً مع النفس. هل تغيّر ما أريده فعلاً؟ هل اكتشفت أن لهذا الهدف ثمناً لا يناسبني؟ أم أن صعوبة الطريق جعلتني أتردد؟ هذه الأسئلة تساعدنا على فهم قرارنا قبل أن نستمر سنوات بدافع العادة أو نتخلى عن شيء ما زال مهماً لنا.

ننبهر بالنجاحات الكبيرة ونتطلع إليها، وأرى أن الأهداف الصغيرة تمنحنا طريقاً عملياً للوصول. لكنني أحاول أيضاً أن أقدّر كل خطوة في وقتها. إنهاء مرحلة دراسية وإتقان مهارة والوفاء بالتزام، كلها أمور تستحق أن نفرح بها حتى ونحن نفكر فيما بعدها.

حين تنظر إلى نفسك اليوم، ستجد أنك تحمل شيئاً من كل مرحلة تجاوزتها. هناك قرار أصبحت أقدر على اتخاذه، وموقف تفهمه بصورة أفضل، وأمر كان يقلقك وصرت تعرف كيف تتعامل معه. كل ذلك له قيمة ويستحق منك بعض الامتنان، حتى لو لم تصل بعد إلى كل ما تطمح إليه.

بالنسبة لي أصبحت مراجعة معنى النجاح جزءاً من السعي إليه. أريد أن أعرف ما الذي أبحث عنه، ولماذا يهمني وما الذي سأمنحه من حياتي للوصول إليه. وقد أكتشف أنني لم أعد أريد بعض ما تمنّيته، وأنني ما زلت مستعداً لبذل الكثير من أجل أشياء أخرى.

وأحاول وسط هذا السعي، أن أتذكّر أن ما أراه اليوم نجاحاً بسيطاً، قد يكون حلم كبير لشخص آخر. المرحلة التي أستعجل تجاوزها، هناك من يجتهد ليصل إليها ويتمنى لو كان مكاني اليوم. وربما كنت أنا قبل سنوات أتمنى الشيء نفسه.

حين أفكر في ذلك، أنظر إلى ما وصلت إليه بامتنان أكبر. أتذكّر ما بذلته لأكون هنا وأمنح نفسي فرصة للفرح بما تحقق. سيبقى أمامنا الكثير مما نطمح إليه، ويستحق ما بين أيدينا اليوم أن نقدّره ونحمد الله عليه. فبعض ما أصبح عادياً في حياتنا، كان يوماً أمنية ننتظرها.

علمتني الحياة 🧠

أحمد الشمراني Twitter

أشاركك أفكاري وتجاربي في الحياة والعمل. أكتب نشرة «قصاصات الخميس»، وأقدّم «خلاصة فكرة»، سلسلة معرفية مجانية لتبسيط الأفكار. لعلّك تجد هنا ما ينفعك ويلهمك.