لا تضحك على ذوقك القديم

نحب أشياء ونمنحها وقتنا، ثم تمضي السنوات فنستغرب حماسنا لها. وربما ننسى أن شيئاً منها ما زال يرافقنا. في حكاية موسيقي تنقّل من اهتمام إلى آخر حتى أصبح من أشهر علماء الفلك، وجدت ما يدعونا للتأمل في هذه الرحلة. فهل انتهت علاقتنا بما أحببناه، أم أننا لم ننتبه بعد إلى ما تركه فينا؟

أحمد الشمراني
أحمد الشمراني

أحياناً نعود إلى كتاب أحببناه، أو فيلم أدهشنا، منتظرين المتعة نفسها، ثم نكتشف أن بريقه قد خفّ. العمل لم يتغيّر، لكننا تغيّرنا، وأصبحنا نبحث فيه عمّا يناسب أسئلتنا واهتماماتنا اليوم.

وجدت في تدوينة الأستاذ طاهر الزهراني عن الذائقة مدخلاً للتأمل في هذا الشعور، من خلال فكرة تراكم الذائقة. فما نحبّه اليوم تشكّل عبر قراءات ومشاهدات وتجارب سابقة، حتى تلك التي خفّ حماسنا لها. وربما لهذا يستحق ما أحببناه قديماً أن نتأمل أثره فينا، قبل أن نحكم عليه بذائقتنا الحالية.

هناك اهتمامات ترافقنا لأيام، وأخرى تبقى معنا سنوات طويلة. وما يثير اهتمامي أن التعمّق في شيء نحبّه قد يغيّر طبيعة فضولنا تجاهه. نبدأ بالاستمتاع به، ثم نرغب في فهمه، وخلال المحاولة نكتشف أن أكثر ما يشدّنا هو جانب لم ننتبه إليه من قبل. وقد يصبح سؤال ظهر على هامش اهتمام قديم بدايةً لشغف جديد يأخذنا بعيداً عن نقطة البداية.

وهذا ما وجدته في قصة ويليام هيرشل، مكتشف كوكب أورانوس.

كان هيرشل موسيقياً محترفاً، يعزف ويؤلّف ويعلّم الموسيقى. قاده اهتمامه بالنظريات الموسيقية إلى دراسة الرياضيات، ومنها اتسع فضوله إلى علم الفلك. بدأ يتعلّم ويرصد السماء، ثم يصنع تلسكوباته بنفسه. كان كل اهتمام يفتح له باباً لاهتمام آخر.

وفي عام ١٧٨١، اكتشف كوكب أورانوس من حديقة منزله في مدينة باث الإنجليزية، باستخدام تلسكوب صنعه بنفسه. وفي العام التالي، عُيّن فلكياً خاصاً لجورج الثالث، ملك بريطانيا آنذاك. هكذا أصبح الاهتمام الذي كان يتابعه إلى جانب الموسيقى مساراً جديداً لحياته، وسبباً في شهرته التاريخية.

الجميل في قصته أن التحوّل جاء بالتدريج، رغم أن المسافة بين البداية والنهاية تبدو مدهشة: موسيقي يتعمّق في اهتمامه، فينتهي به الأمر مكتشفاً لكوكب!

وما يلفتني هنا أن اهتمامه الأول كان طريقاً لما جاء بعده. ولهذا، حين نحكم على اهتماماتنا القديمة بما نعرفه اليوم، قد نغفل عمّا أضافته إلينا في وقتها، وكيف أسهمت في وصولنا إلى ما نحن عليه.

وعلى سيرة الاهتمامات القديمة، كنت أحب «الدوق فليد»، بطل مسلسل «جراندايزر»، وأقضي ساعات طويلة في متابعته، حتى سنوات متأخرة من المراهقة. أما اليوم، فلا أشعر بالمتعة نفسها عند مشاهدته. ومع ذلك، حين أتأمل ما بقي منه في ذاكرتي، أجد أشياء تستحق التقدير.

كان الدوق فليد يدافع عن الأرض التي احتضنته بعدما هرب من كوكب فليد إثر هجوم قوات فيغا. وجد فيها فرصة لحياة جديدة، وأصدقاء أحبّهم وأناساً أحبّوه. فأصبح الدفاع عنها دفاعاً عن بيته ومن يحبّ، وعن السلام الذي حُرم منه في كوكبه.

وقتها، لم أكن أجلس أمام الشاشة لأتعلّم معنى الوفاء أو الانتماء أو الدفاع عن الآخرين. كنت أتابع بطلاً أحبّه، وأنتظر انتصاره في نهاية الحلقة. لكنني أظن أن شيئاً من تلك المعاني بقي في داخلي، حتى بعدما تراجعت رغبتي في المشاهدة.

بدأت علاقتنا بالعالم من خلال أشياء بسيطة كهذه، قصة نسمعها، أو شخصية نحبّها، أو مشهد يبقى في ذاكرتنا. ثم اتسعت نظرتنا مع القراءات والخبرات والتجارب، وأصبحنا نفهم بعض ما شاهدناه بطريقة لم تكن متاحة لنا حينها.

وهنا أجد أن علاقتنا بذائقتنا القديمة أعقد من أن نختصرها في الإعجاب أو النفور. قد نفقد متعة الشيء، ويبقى أثره معنا. وقد نكتشف، بعد سنوات، أن ما حسبناه تسلية عابرة أسهم بطريقة ما في تشكيل نظرتنا إلى الحياة.

لهذا، أحاول أن أكون أرفق بما أحببته سابقاً، وبمن يحبّه اليوم. ليس مطلوباً أن تعجبنا الأشياء نفسها، لكن من الجميل أن نتذكّر أننا مررنا بمراحل مشابهة. وربما كانت كلمة تفتح أمام أحدهم باباً جديداً أجدى من سخرية تدفعه إلى الدفاع عن ذائقته، بدلاً من التأمل فيها. فالاهتمامات تحتاج إلى مساحة تنمو فيها، وإلى تجارب توسّعها، ومن حق الآخرين أن يأخذوا وقتهم في هذه الرحلة كما أخذنا وقتنا.

في النهاية، ذائقتنا جزء من رحلتنا. تتسع بالقراءة، وتتبدّل بالتجربة، وتنضج بما نعيشه ونتعلّمه. وليس علينا أن نبقى أوفياء لكل ما أحببناه، لكن يمكننا أن نكون ممتنّين لما تركه فينا.

تأمّل شيئاً أحببته في مرحلة من حياتك، وابحث عمّا بقي منه فيك. ربما تتذكّر قيمة تعلّمتها، أو سؤالاً دفعك إلى القراءة، أو اهتماماً قادك إلى معرفة جديدة. والجميل أن هذه الرحلة ما زالت مستمرة، وأن في الحياة أشياء لم نعرفها بعد، قد تمنحنا دهشة جديدة، وتكشف لنا جانباً آخر من أنفسنا.

علمتني الحياة 🧠

أحمد الشمراني Twitter

أشاركك أفكاري وتجاربي في الحياة والعمل. أكتب نشرة «قصاصات الخميس»، وأقدّم «خلاصة فكرة»، سلسلة معرفية مجانية لتبسيط الأفكار. لعلّك تجد هنا ما ينفعك ويلهمك.