المدير الذي لا يعرف كل شيء

مع اتساع المعرفة، أصبح من الصعب أن يحمل عقل واحد جميع الإجابات. وربما لا تكمن حكمة المدير فيما يعرفه، بل في المساحة التي يفتحها لعقول الآخرين، فالقائد الحقيقي لا يجعل الفريق يدور حوله، بل يترك خلفه فريقاً يعرف كيف يفكر، ويقرر، ويواصل الطريق من دونه.

أحمد الشمراني
أحمد الشمراني

في الماضي، كان لقب «المدير» محاطاً بهالة كبيرة من الهيبة. وكان الاعتقاد السائد أن المدير الجيد يجب أن يعرف كل شيء، ويجيب عن كل سؤال، ويتدخل في كل تفصيل. فهو المعلم والمنفذ والمنقذ والمشجع والمفكر، وفي نهاية المطاف: البطل الخارق الذي تدور حوله الإدارة بأكملها.

لكن بيئة العمل اليوم أصبحت أكثر تعقيداً من أن يحيط شخص واحد بكل تفاصيلها. توسعت التخصصات، وتسارعت القرارات، وأصبحت المعرفة موزعة بين أفراد الفريق. لذلك لم تعد قيمة المدير فيما يعرفه وحده، بل في قدرته على توظيف ما يعرفه الآخرون.

قد تجد موظفاً يمتلك مفاتيح ملف مهم، يعرف تفاصيله، ويحفظ تاريخه، ويملك إجابة لكل سؤال يتعلق به. وربما يحرص مديره على اصطحابه إلى كل اجتماع، خوفاً من أن يواجه سؤالاً لا يعرف إجابته.

لا أجد في ذلك نقصاً في المدير، فمن الطبيعي أن يكون بعض أعضاء الفريق أعمق منه معرفة في تخصصاتهم. المشكلة تبدأ عندما تصبح المعرفة حبيسة موظف واحد، أو يشعر المدير أن قول «لا أعرف» ينتقص من مكانته.

وقد لخّص غازي القصيبي - رحمة الله عليه - هذه الفكرة في كتابه حياة في الإدارة بقوله:

«لا تستحِ أبداً أن تعترف بجهلك وأن تعالجه بخبرة الخبراء ، فالإنسان الذي يعرف نقاط ضعفه يملك فرصة حقيقة في تحويلها إلى نقاط قوّة من خلال فريق عمله. وتأكد بأن الذي لا يخطىء لا يعمل»

فالمدير الواثق لا يخشى أن يقول: لا أعرف. لكنه يعرف من يسأل، وكيف يتحقق، ومتى يحوّل الإجابة إلى معرفة مشتركة يستفيد منها الجميع.

وكما أن المستثمر لا يشتري سهماً اعتماداً على حركة السعر وحدها، لا ينبغي الحكم على المدير من إجابته عن سؤال عابر. المعيار الحقيقي أعمق من ذلك: هل يفهم الصورة الكبرى؟ هل يعرف نقاط القوة والمخاطر؟ هل يستمع لأصحاب الخبرة؟ وهل يستطيع اتخاذ القرار الصحيح بعد جمع المعلومات؟

وفي دراسة للباحثة في كلية هارفرد للأعمال إيمي إدموندسون، شملت 51 فريق عمل، وجدت أن الأمان النفسي يرتبط بسلوكيات التعلم داخل الفريق، مثل طرح الأسئلة، وطلب المساعدة، ومناقشة الأخطاء. وهذه السلوكيات تساعد الفريق على التعلم وتحسين الأداء (دراسة هارفرد).

وهنا يأتي دور المدير الحقيقي، أن يصنع بيئة يستطيع فيها الموظف أن يطرح رأيه، ويعترف بخطئه، ويختلف مع مديره دون خوف. فالمدير الذي يصر على امتلاك جميع الإجابات قد يدفع فريقه إلى الصمت، أما المدير الذي يسأل ويستمع، فسوف تصل إليه معرفة لم يكن ليصل إليها وحده.

ومن واقع التجربة، تعلمت أن محاولة الظهور بمظهر المدير الذي يعرف كل شيء ترهق المدير وتضعف الفريق. تجعله غارقاً في التفاصيل، وتجعل الموظفين ينتظرون رأيه في كل خطوة.

لهذا، لا تجعل معرفتك الشخصية هي نظام العمل، ولا تجعل موظفاً واحداً هو ذاكرة الإدارة. امنح أصحاب الخبرة مساحتهم، ووثّق المعرفة، وابنِ البدائل، وعلّم فريقك كيف يفكر ويتخذ القرار.

في النهاية، نجاح المدير لا يُقاس بعدد الأسئلة التي أجاب عنها بنفسه، بل بعدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على إيجاد الإجابة من دونه.

حياة في الإدارة 🌱

أحمد الشمراني Twitter

أحمد الشمراني، أحد أوائل المدونين السعوديين، بدأ رحلته في عالم التدوين عام 2006 عبر مدونته «خاطرة بيضاء». طالب علم في مدرسة الحياة، ومتخصص في إدارة الموارد البشرية، ومبتعث سابق إلى بلاد العم سام.