سنة أولى وظيفة

في كل بداية رهبة وترقب، وفي كل غربة وجوه تترك بصمات لا تنسى. مهما تباعدت المحطات يبقى في جوف القلب امتنان عميق لكل من رافق الرحلة وخفف وحشتها وزاد فرحها. هذه تأملات في سحر البدايات، وفي التغيير الذي ينحت خبراتنا ويصنع أجمل الحكايات.

أحمد الشمراني
أحمد الشمراني

جدول المحتويات

البدايات دائماً تحمل طابعاً غريباً؛ إذ يشعر الإنسان بالرهبة والترقب، ويكافح لفهم الأمور دون الحاجة إلى طرح الأسئلة أو الكلام. ومع ذلك، تكون البدايات ساحرة؛ لأنها تمهد الطريق لتحديد الأهداف، واختيار التفاصيل التي ترغب في معرفتها، وتحديد طرق التفكير والوسائل التي تود استخدامها أو تعلّمها. وما يثير الإعجاب أنك، مع مرور السنوات، تبدأ في استذكار تلك البدايات، وتلاحظ التغيرات الكبيرة التي طرأت على شخصيتك وثقافتك ومعرفتك وأسلوب تعاملك مع الأمور. تُعرف هذه العملية بالنضج العقلي؛ إذ تتسع آفاق إدراكك، وتبدأ في فهم نفسك والعالم من حولك. وللربط بين ما وصلت إليه اليوم وتلك البدايات طعم خاص يثير مشاعرك، ويملؤك بالفخر والشعور بالإنجاز؛ لأنك تمكنت من تجاوز التحديات المحيطة بك، واكتشاف شخصيات رائعة كانت تستحق وقتك وجهدك.

دائماً ما تعود بي الذاكرة إلى مشاعر الغربة التي رافقتني أثناء الانتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى، بدءاً من الابتدائية، مروراً بالمتوسطة، وصولاً إلى الثانوية. كنت أنتظر بكل شغف وأمل أن ألتقي بوجوه مألوفة في هذه المحطات الجديدة. وأسترجع تفاصيل تنقلي بين مدارس عديدة بسبب قلة الخيارات المتاحة في تلك الحقبة؛ فكلما افتُتحت مدرسة جديدة قريبة من منزلنا، انتقلنا إليها في الفصل الدراسي التالي: مدرسة جديدة ووجوه جديدة، بعضها مألوف وبعضها غريب.

وعندما جاء وقت الالتحاق بالجامعة، كانت الصدمة أكبر؛ إذ لم أكن أعرف أحداً في بيئة تضم طلاباً مغتربين من مناطق ومدن متنوعة. لكن ملامح الغربة بدأت تتغير بعد اختيار التخصص؛ إذ كنّا مجموعة صغيرة تمثّل أول دفعة لهذا التخصص في الجامعة، واستمرت دراستنا وصداقتنا أربع سنوات كاملة، فكانت الوجوه والنفوس ذاتها ترافقنا في كل فصل دراسي.

أثناء المرحلة الجامعية، ذهبت للدراسة في كندا وبريطانيا خلال الإجازات الصيفية، فاجتمعت عليّ غربة البلاد وغربة الفصول الدراسية التي جمعت جنسيات وأعراقاً مختلفة، وثقافات تتراوح بين المحافظة والجريئة. وكان كسر حواجز اللغة والحواجز النفسية عند التعامل مع عقول جديدة وشخصيات مختلفة تحدياً حقيقياً في ذلك الوقت. وتُضاف إلى ذلك غربة العيش مع العائلات البريطانية والكندية التي سكنت في كنفها؛ وهي غربة من نوع مختلف: تجد الاهتمام، لكنك تحتار في سببه، وتبدأ المقارنات بين الثقافات، لتكتشف في النهاية أن هناك عائلات تستمتع بالتعرف على الثقافات الأخرى، وتحرص على بثّ الطمأنينة. تكتشف حينها أن القلوب الطيبة منتشرة في هذا العالم، وأننا في أحيان كثيرة نحصر حياتنا لفترات طويلة في أشياء تعودنا عليها حتى فقدت لذتها، وأن السر يكمن دائماً في التغيير؛ لأن التغيير هو الأصل في نحت خبراتنا في الحياة.

وبعد سنوات الجامعة، تأتي مرحلة الابتعاث والغربة لسنوات طويلة؛ كل شيء فيها جديد: غربة البلد، وغربة السكن، وغربة زملاء الدراسة. لكن، سبحان الله، الذهاب إلى المجهول يصنع أجمل الحكايات والمغامرات، وتنشأ فيها صداقات تدوم العمر كله. وبعد البدايات الموحشة، تأتي النهايات مفعمةً بفرحة الإنجاز، ومحمّلةً بالذكريات الجميلة التي تبقى خالدة في الذاكرة.

وبعد كراسي الدراسة والغربة والسفر، تأتي مرحلة الوظيفة. ما زلت أتذكر يومي الأول؛ الجميع من حولي يتعاملون مع المكان باحترافية، ولكل شخص مهامه التي يعرف حدودها، وأنا في مكتبي أنتظر التعليمات، ولا أعلم المطلوب مني في بيئة عمل جديدة لا أعرف فيها أحداً غير مديري. وأتذكر أنني ذهبت يومها للصلاة في المصلى، فوجدت الرئيس التنفيذي خارجاً منه، فتقدّمت للسلام عليه والتعريف بنفسي، فقال لي: «الشركة في نمو مستمر، وأنت نتيجة لهذا النمو، وأتمنى أن تكون قيمة مضافة لنا». ما زلت أتذكر كلماته؛ لأنها كانت فاتحة خير تعلّمت منها معنى النمو، وكيف أكون قيمة مضافة لمكان العمل، سواء كانت المهام صغيرة أم كبيرة، وسواء كان رئيسك جيداً أم سيئاً؛ فالعمل الجيد يتحدث عن نفسه. والحمد لله الذي منّ عليّ برؤساء كانت قلوبهم رحيمة، وكان العمل والأمانة والإخلاص عندهم رمزاً للعطاء المستمر والتطوير. كانت البدايات مليئة بالمخاوف والصعوبات، لكننا مع الوقت نتعلم التعامل مع المجهول، ويتحول الحياء في المحادثات إلى أريحية في الحديث والتعامل، وكل ذلك في سبيل العمل والإنجاز والتطوير؛ فهذا هو ديدن العمل في هذا البلد المعطاء، وأقل ما يمكن أن نبذله من أجله.

واليوم، أنطلق إلى مغامرة جديدة في مكان جديد؛ لا أعرف تفاصيل ما ينتظرني، لكنني أُقبل عليه بتفاؤل وشغف. أفتح فصلاً جديداً من حياتي، أحمل إليه حصيلة عشر سنوات من الخبرة، وأتطلع إلى ما سأتعلمه وما يمكنني أن أقدّمه. أمامي وجوه جديدة، وتجارب لم أعشها بعد، وحماس كبير للمشاركة في رسم المستقبل. إنها رحلة أرجو أن أترك فيها أثراً، وأن تترك فيّ ما يستحق أن يُروى، من دروس تُثري تجربتي وذكريات لا تُنسى. وربما يأتي يوم أروي فيه تفاصيلها، وأستعيد شعور هذه البداية، بعدما أكتشف إلى أين قادتني.

أحمد الشمراني - الظهران

علمتني الحياة 🧠

أحمد الشمراني Twitter

أحمد الشمراني بدأ التدوين من عام 2006 في مدونة خاطرة بيضاء، من أوائل المدونين السعوديين في تلك الحقبة الزمنية. طالب علم في هذه الحياة، مُتخصص في إدارة الموارد البشرية. مُبتعث سابق لبلاد العم سام.